محمد متولي الشعراوي
10589
تفسير الشعراوي
وتستطيع أنت أنْ تعرض أيَّ قضية من قضايا الدين على العقل السليم ، وسوف تجد أنها طيبة وجميلة توافق الذَّوْق السليم والتفكير السويّ ، فالكذب مثلاً خُلُق يأباه العقل ويأباه الدين ، وكذلك الرشوة ؛ لأنك بها تأخذ ما ليس لك ، وقد يُسلِّط عليك رَاشٍ ، فيأخذ منك حقك ، كما أخذتَ أنت حقوق الناس . ولو تأمل العقل مثلاً تحريم النظر إلى المحرمات ، لوجد أن الدين قيَّد نظرك وأنت فرد ، وقيَّد من أجلك نظر الناس جميعاً ، فكما طلب منك طلب لك ، وكذلك الأمر في تحريم السرقة والقتل . . إلخ . وقد سُئلْنا في إحدى الرحلات عن قوله تعالى : { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ } [ التوبة : 33 ] ومرة يقول : { وَلَوْ كَرِهَ المشركون } [ التوبة : 33 ] ومرة يقول : { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } [ التوبة : 32 ] . يقولون : وبعد أربعة عشر قرناً ، والمسلمون في الكون أقلية ، ولم يظهر الدين على الدين كله ، فكيف إذن نفهم هذه الآية ؟ فقلتُ للسائل : لو فهمتَ الآية السابقة لعرفتَ الجواب : { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } [ التوبة : 32 ] . فالمعنى : أن الدين سيظهر في وجود الأديان الأخرى ، وليس المراد أن هذه الأديان ستزول ، ولن يكون لها وجود ، بل هي موجودة ، لكن يظهر عليها الإسلام ظهور حجة ، بدليل ما نراه من هجمات على الإسلام وأحكامه وتشريعاته ، كما في مسألة الطلاق مثلاً ، أو مسألة تعدُّد الزوجات وغيرها . وبعد ذلك تُلجِئهم الحياة الاجتماعية إلى هذه التشريعات ، ولا يجدون غيرها لحل مشاكلهم .